مقالات

مونوغاتاري بين الرّبط الفلكلوري والتصرُّف الأدبي

بنى نيشيو ايشين عالم مونوغاتاري حول ركيزة أساسية وأدار جميع أحداث قصصه حولها، الغرائب. والغريبة هيّ ظاهرة لا مألوفة، ما بعد الواقع وفوق الطبيعة، لا أصلٌ واحدٌ لها وتظل السّمة المشتركة بينها أنّ أساطير الناس واعتقاداتهم هيّ المُحرّك الرئيس لجميعها.


وهذه الغرائب الكثيرة في سلسلة مونوغاتاراي؛ منها ما يستند على أساطير حقيقية في عالمنا الاعتيادي، وهنا يختلف مُعدّل الربط بين الواقع والاقتباس فقد يكون عميقًا يُعطي للأسطورة وجودها المناسب داخل القصّة أو قد يكون سطحيًّا يكثُر فيه التصرّف الأدبي. ومنها طبعًا ما هوّ أصليٌّ مكتوب من خيال المؤلف المحض.

والحقيقة أنّ الغرائب أشبه بعلبةِ ألوان، كلّ غريبة تمتاز عن الأخرى، وإنْ حصل وتشابه اللون لغريبتين فستكون الدرجة اللونية مختلفة حتمًا، هذا الإختلاف يعكس التنوّع الفعلي للأساطير الشعبيّة.

وما أنا مقدمٌ عليه في مقالتي هذه؛ هوّ تبيان أبعاد كل غريبة، وتوضيح مدى الربط الحاصل بين الغريبة والفلكلور، سواء كان الياباني بالخصوص أو العالمي عمومًا. ولا يشمل هذا كل الغرائب فمنها ما ليس لها ارتباط فلكلوري واضح كما ذَكرتُ سلفًا، وسأتطرّق لكل التفاصيل في قادمِ الذّكر.


سينجوغاهارا والسّلطعون: ارتباط الثقافة اليابانية بالسّلطعون ليس ارتباطًا قديمًا، فهو يعود لأواخر القرن 12 ميلادي. حيث اندلعت حرب بين جماعة تايرا (وتُعرف بـ هيكي) التي تُعد الجماعة الحاكمة للبلاد آنذاك بقيادة الطّفل الإمبراطوري آنتوكو وجدّته توكيكو تايرا الراعية الرسميّة للعرش، وبالمقابل جماعة ميناموتو (غينجي) كانت هيّ العدو الطّامح خلف العرش. وفي الرابع والعشرين من أبريل عام 1185م بدأت المعركة النهائية التي استمرّت لنصف يوم فقط، وانتهت بانتصار ميناموتو وجماعته. آنتوكو قرّرت أخذ الإمبراطور والهروب به خلال البحر، وهنا تبدأ أسطورة السّلطعون؛ فهناك روايتين، الأولى هيّ أنّ الجدّة والإمبراطور ومن معهم من أتباع قد تمّ تناسخهم إلى سلطعونات وبذلك نجحوا في الهرب من ميناموتو وجماعته. والرواية الثانية هيّ أنّهم غرقوا وماتوا وبعدها اُلتهموا بواسطة السّلطعونات، التدليل على الرّوايتين كان من خلال شكل سلطعون يُدعى “سلطعون-الوجه”

قد تكون الرواية الأولى أكثر انتشارًا وتصديقًا عند الأكثرية، ولكن ارتباط الرواية الثانية بسلسلة مونوغاتاري وبقضيّة سينجوغاهارا أكبر، فهيّ فقدت وزنها بمعنى أنّ السلطعون قد التهمه.

 
تسوكيهي والعنقاء: أسطورة العنقاء تواجدت في تراث وأدب الكثير من الأمم ومُنذ مدّة طويلة جدًا تصل لآلافِ السنين، ويُعتقد بأنّها وصلت إلى التراث الياباني من خلال الصّين، فحضارة الصين هيّ الأعمق جذرًا وأثرًا في شرق آسيا قاطبةً. يعود أول تواجد لها في التراث الياباني إلى منتصف القرن السادس ميلادي، وكأغلب الحضارات كان ارتباط العنقاء بالخلود ارتباطًا وثيقًا، فأُعتُقِدَ بأنّ العنقاء خالدة في تراث بعض الأمم أو أنّها تمنح الخلود عند أممٍ أخرى، وربّما الإثنين معًا. ولكن لا يمنع هذا وجود بعض الاختلافات، فالعنقاء في التراث شرق الآسيوي هيّ كائن سماوي من العالم الآخر شبيهةً بالتنين، حتّى أنّ بعض الأساطير ربطتهم معًا فمثّلت العنقاء بـ “الأنثى” وكان التنين هوّ “الذكر”. يُعتقد عند الآسيويين أنّ ظهور العنقاء يرتبط بالخير دائمًا، فهيّ تنزل من السماء لكي تنشر الخير في الأرض.

ولكن الشبه الوحيد بين تسوكيهي والعنقاء هوّ التشافي الفوري من الإصابات (Healing)، فهيّ خالدة جسديًّا لا يُميتها سوى انقضاء فترة حياتها.

فيما بعد تمّ الكشف أنّ تسوكيهي ليست عنقاء، بل “shide no tori”، والمُقتبس من طائر الكوكو (Cuckoo)، وهذا الطائر على خلاف أغلب الطيور، لا يهتم برعاية صغاره فيضع بيضه في عش طائر آخر ويتركه ليفقس ثمّ يتولى الآخر رعايته، تمامًا كحالة تسوكيهي، التي تُعتبر بيضة  shide no tori في عش آخر (رحم اُم أراراغي) 

رغم هذا التمازج، ما بين العنقاء وشبيه الكوكو، يظل كلّ شيء واضحًا لا لبسَ فيه، فغريبة تسوكيهي هذه تمّ تفسيرها بشكلٍ تفصيلي وأخذت حقّها الكامل خلال العرض. 

    

   كارين والنّحلة: تواجد النحلة في التراث العالمي فقير جدًّا ولا يحمل عمق غالبًا، وخصوصًا عند اليابانيين، فلم أجد طرف خيط حتّى يُفيد بقيمة النحلة المعنوية سوى كتابات أدبيّة لا تحمل مضامين مُشابهة لسلسلتنا. ولا يلغي هذا أهميّتها المعاصرة، لكن التراث القديم هوّ المقصود هنا. الارتباط الأقرب يعود لبريطانيا القديمة، حيث تُمثّل النّحلة رمزًا للحكمة، وهنا يتّضح الإسقاط الفكاهي الذي قام به المؤلف، فكارين أبعد ما يكون عن الحكمة، هيّ مُتسرّعة طائشة لا تُفكّر مرّتين قبل اتّخاذ القرار، وهذا ما جرّها للوقوع في فخ كايكي. وعند البريطانيين أيضًا يُعتقد بأنّ النحلة مرسول بين عالمنا وعالم الأرواح، لا أرى علاقة لهذا بقصّتنا سوى أنّ كارين تتمتّع بحس عدالة عالي قد يوحي بكونها مُختارة من نوعٍ ما، وأستبعد هذا الأمر. نهايةً تظل هذه مجرّد تكهّنات غير أكيدة تحتمل الخطأ كما الصّواب.

  • معلومة قد تحمل أهمية: المعنى الحرفي لـ Nisemonogatari هوّ Fake Story أي “القصّة الزّائفة”، وهوّ الجزء الذي تمّ خلاله استعراض قصّتي كارين وتسوكيهي. 


هانيكاوا والقط: قصّة هانيكاوا هي الأغرب في مونوغاتاري، فمع أهمية القطط عند اليابانيين وارتباطها بعديد الأساطير والقصص ورغم أهمّيتها المعنوية هناك، إلا أنّ لا وجود لربط واضح بين قصّة هانيكاوا والقطط، وقد يكون السر في شخصيّة هانيكاوا بذاتها، فهيّ لطيفة، نقيّة تمامًا كالنظرة السائدة عن القطط في اليابان، ويظل الجانب الأهم في إيمانهم حول القطط هوّ كونها “جالبة للحظ”، في حين لا يمكن تأكيد ذات الشيء حول هانيكاوا. وبالمقارنة بين هانيكاوا الطبيعية وهانيكاوا القط؛ فالتناقض يتسيّد، كأنّهما نسختين معاكستين لبعضهما، ما تفعله هذه تفعل نقيضه تلك.

ارتبطت هانيكاوا بالنمر كذلك، وللمعلوميّة؛ لا وجود للنمور في اليابان جيولوجيًا، أمّا معنويًّا فوجوده حتمي في أغلب شعوب شرق القارّة الصفراء ومن ضمنها اليابان قطعًا، النمر رمز للقوّة، الجبروت، العظمة والاستقامة، لا يبرح من غير مأربه. وهذا في قصّتنا ليس ببعيد، فالنمر “كاكو” كان بنفس تلك الصفات، ويمكن القول بأنّه تطوّر حتمي للقط القابع في جوف هانيكاوا، قرّر الخروج متمرّدًا، مُعلنًا وجوده ككيان مُستقل عنها، تناقضات الفتاة المثالية وصلت لأعلى حدودها، وعند ساعة الإعتراف بحبّها لأراراغي الذي رفضها مباشرةً، تستسلم.. ليس استسلامًا عن الحب فقط بل استسلام وتسليم لكل تلك التناقضات، تتقبل الواقع وتقرر العيش فيه غير آبهةٍ للعواقب. تلك هيّ قصّة هانيكاوا، التي حاكها المؤلف بعيدًا عن الأساطير والفلكلور.



هاتشيكوجي والحلزون: الكثير من التلاعب حضر هنا، تلاعب لفظي يتمثّل بالنكت التي أخذ أراراغي يطلقها على هاتشيكوجي بسبب اسمها المكوّن من دمج الرقمين 8و9 مع إضافة المقطع Ji. يبدو هذا غرضه الفكاهة وحسب، وهوّ كذلك ولكنّه دليل على أهمية الدور الذي يشكّله التلاعب اللفظي في قصّة مايوّي. فالحلزون هوّ بقرة في الحقيقة، ويعود هذا إلى تشابه الكانجي بينهما، فحبكة القصّة مرتبطة ذاتيًّا بهذا التحوير اللغوي. 

تحمل البقرة بُعدًا تراثيًّا بدورها، فهيّ مشهورة بقطع الطريق على المارّة أثناء عبورها من وإلى، وهذا ما حدث مع أراراغي الذي لم يرغب بالعودة لمنزله هربًا من أخته فصادف هاتشيكوجي حينها، عدم رغبته جعلته يلتقي بها وهو الوحيد الذي لاحظها آنذاك، فيمكن القول أنّ هاتشيكوجي قطعت الطريق على أراراغي أثناء توهانها.

بالعودة للحلزون؛ هناك مصطلح إنجليزي يُعرف بـ “Snail Time” ويستخدم عند الاشتياق لشخصٍ ما، “عندما تتباطأ الأيام لتبدو أسابيع، وتغدو الأسابيع أشهر” دون رؤيته. 

وهذا يطابق -تقريبًا- ما حصل لهاتشيكوجي، لهفتها لمقابلة أهلها من أجل الاحتفال معهم، وضياعها الذي يمنعها من ذلك. هذا بالفعل تجسيد للـ “Snail Time”.


كانبارو والشّيطان: لندع الشّيطان جانبًا ونُفسّر موضوع آخر أولًا، نعم هوّ ذراع كانبارو -ذراع القرد-، فعلى الرّغم من أنّ غريبتها شيطان لكن مظهرها قرد، وفي هذا الصدد فإنّ هذه الذراع مقتبسة من قصّة الكاتب البريطاني W. W. Jacobs الخياليّة القصيرة التي تحمل عنوان “The Monkey’s Paw”، فى القصّة الأصلية تُعطي الذراع -أو الكف- لصاحبها ثلاث أمنيات وتسلُب منه شيء مُقابل كل أُمنية، وهذا يتطابق إلى حد كبير مع قصّة كانبارو، فحياتها كانت على المحك بسبب أمنية قتل أراراغي، وأُمنية حماية سينجوغاهارا قبل ذلك.


لم أجد سببًا واضحًا لجعل الشيطان هو الغريبة الأساسية لكانبارو فضلًا عن ربطه بعد ذلك، ولكن في الفلكلور الياباني يُعتقد بأنّ القرد مسؤول عن حماية الناس من الشياطين ونحو ذلك، قد يكون إسقاط من نوع معيّن وقد يكون شيطنة مباشرة لفعل كانبارو.

  • إضافة: يشتهر القرد بكونه كائن حسود، حتّى أنّ له مصطلح خاص به “Monkey Jealous” نحو “I get monkey jealous about you”. وهذا يشبه شعور كانبارو حين عَرَفَتْ بعلاقة سينجوغاهارا وأراراغي.


ناديكو والأفعى: شخصيّة ناديكو هيّ الأكثر تعقيدًا من بين جميع الشخصيّات في السلسلة، ويمكن القول ذات الشيء عن غريبتها. للأفعى تراث هائل وعميق الأثر في الثقافة اليابانية، ووجودها في القصص الخيالية هناك كان أمرًا حتميًّا لأمدٍ طويل من الزمن، ولكن… كل هذا لا يعني شيء عند الحديث حول غريبة ناديكو، فكونها “إله أفعى” تمامًا كما هوّ موجود في التراث الياباني لا يُحتّم ارتباطها بهذه الأساطير وذلك لسببين جوهريَّين:

أولًا لأنّ ذات الحالة تنطبق على هانيكاوا وغريبتها، فالقط شائع جدًا في اليابان والقصص حوله كثيرة ومع ذلك اِرتأى المؤلف أن يحيك حبكته بعيدًا عن الربط الفلكلوري، ويُمكن تطبيق نفس الاعتقاد حول ناديكو والأفعى.

ثانيًا والأهم، غريبة ناديكو تختلف عن جميع الغرائب المتواجدة في القصّة، فناديكو لم تتعرّض لِمس من شخص ما كما حدث مع سينجوغاهارا وكارين، وليست هيّ غريبة قائمة بذاتها كشينوبو مثلًا أو تسوكيهي. ولم تُسلّم جسدها للغريبة كما هوّ الحال مع كانبارو، بل تكوّنت الغريبة داخلها وأصبحت هيّ بعد ذلك غريبة، بكيانها وذاتها البشريّة، ناديكو التي عانت من الاضطهاد تحوّلت إلى غريبة عجز الكل تقريبًا عن التعامل معها، فكان الحقد يُسيّر أفعالها انتقامًا لما عانته، وربّما الحسد. وقد يعود تشبيهها بالأفعى لسبب واحد فقط… “المكانة”، فالاله الأفعى شهير جدًا في اليابان وذو صيت واسع عند الشعب، فالمكانة التي وصلت إليها ناديكو لا تختلف عن ما هوّ حاصل فعلًا للأفعى هناك.

يوتسوغي أونونوكي: جثّة عائدة إلى الحياة، عديمة المشاعر وخالية من الأحاسيس، يرتبط وجودها بشخص أعلى رتبة يدعى “Onmyouji”، وفي حالة يوتسوغي فهذا الشخص هوّ -أو هيّ- يوزورو كاغينوي، ويُطلق على يوتسوغي اسم “Shikigami”، دلالةً على أنّها روح أو شبح من نوعٍ ما. ولكنها تظل مجرّد “Tsukumogami”. والتسوكوموغامي هوّ أداة أو شيء عاد إلى الحياة بعد سنين من التجاهل والإهمال، وهذا وصف مباشر لحال أونونوكي، من جثّة منسيّة إلى أداة بيد كاغينوي.

 جميع المصطلحات المذكورة أعلاه لها وجود راسخ في الثقافة اليابانية، وحَوْلها الكثير من القصص والأساطير المُحاكة، تمّ ربطها كتابيًّا بأسلوب بسيط ومباشر لخلق هذه الغريبة “أونونوكي”.

شينوبو: هيّ غريبة، مصّاص دماء عاش لمئات السنين، وطرأ التغيير عليها بعد لقاءها باراراغي فتحوّلت من مصّاص دماء كامل إلى خامل (أغلب الوقت). الأساطير حول مصّاصي الدماء كثيرة وكلّها على وجه العموم تحمل صفات مشتركة أهمّها طول فترة الحياة، والخلود الجسدي أي التجدّد المستمر في الحالات الطبيعية، وأحيانًا الحسّاسية المفرطة تجاه الضوء وكذلك تحاشي الأدوات الفضّية والصلبان كما يُشاع في المعتقدات الكاثوليكية. وبشكلٍ أكيد يُمكن اعتبار شينوبو أو “Kiss Shot” كمصّاص دماء عادي لديه بعض الاختلافات التي تخدم هدف القصّة الموجود في خضمّها.

أوشينو أوغي: لم يكتف المؤلف بكلِّ الغرائب التي أوجدها مسبقًا، فقرّر أن يختم قصّته بالغريبة الأكثر أصالة في سلسلته، هذه الغريبة تختزل انعكاسات اراراغي النفسيّة وتعرضها على هيئة كائن بشري المظهر غير معلوم الهويّة والجنس، فتارةً يظهر كفتاة وتارةً أخرى فتى. الظلام الزائف “Fake Darkness” هوّ الإسم الآخر لهذا المخلوق الغريب، الذي لم يكن سوى النقيض الفج لبطلنا، فكان الخطر المُحدق بالجميع، قريبٌ لأغلبهم، مُتربّصٌ مُضمِرٌ لنيّة اللدغ.

ورغم هذا التقريب التحليلي، تظل هالة من الغرابة واللا فهم تحوم حول هذه الغريبة.. أو الظاهرة بمعنىً أدق، وحتّى حين جلائها لم تنضب التساؤلات فيما يخص حقيقة ما حصل ووقع، ولن تنضب في غالب الظن، فحبكة الختام هنا.. وِجِدَت لتعيش.

بعد كل هذا الاستعراض السابق، وطرح الآراء والتفسيرات والاعتقادات بشتّى أنواعها، لا بُدَّ لي من أن أُعرّج على رأي المؤلف نفسه في عمله، فكما نظرتنا للعمل، لديه هوّ نظرته الخاصّة، والتي هيّ بدورها مهمّة جدًّا للوصول إلى الفكرة النهائية حول جوهر الموضوع المطروح. 

يقول نيشيو في نهاية المجلّد الأول من روايته الذي يشمل أوّل ثلاث قصص (سلطعون هيتاغي، حلزون مايوّي وقرد سوروغا)، قال “قد يبدو هذا كتابًا يحوي ثلاث قصص تتمحوّر حول الغرائب، وهذا ليس بصحيح. هذه ثلاث قصص كتبتها لأنني أردت كتابة رواية مليئة بالحوارات السخيفة”

كلام المؤلف للوهلة الأولى يناقض ما كتبته أنا في مقدّمة الموضوع، وهوّ أنّه بنى عالم مونوغاتاراي حول الغرائب، وهذا ما نفاه بنفسه، ولكن لنكن واضحين؛ رغبة المؤلف في بداية كتابته للرواية شيء وما كتبه فعلًا بعد ذلك شيءٌ آخر، أي لا يمكن أبدًا انكار دور الغرائب في القصّة، وأي متابع للعمل حتمًا سيجزم بأنّها هيّ العجلة التي تقود الأحداث والرُّكن الذي يحتوي الحبكة.

إذًا، ما المعنى من تضميني لرأي المؤلف في خاتمتي هذه؟ المعنى هوّ أنّ نظرة المؤلف للغرائب مختلفة عن نظرتنا نحن كمتابعين، هوّ يراها نتيجة طبيعية ظهرت أثناء كتابته للرواية، بينما المتابع العادي -وبسبب جهله بتفاصيل ما قبل الكتابة- يراها بنظرة يسودها الاهتمام، يحاول فك تعقيداتها ومعرفة ما يقف وراءها ومُسبّباتها، والبعض طبعًا يهتم بجانبها الفلكلوري. وهذا ربّما يُحمّل الموضوع فوق طاقته، فمحاولة فهم كل غريبة والتعمّق بـ أُصولها وأبعادها سوف يخلق عمقًا آخر لها مُضافًا إلى عمقها الأساسي، وهذا ليس إلا تكلّف زائد. فالأحرى هوّ فهم الموضوع كما أورده المؤلف في عمله، وأما الاجتهادات الأخرى فليست سوى من باب العلم بالشيء، ولا تُمثّل بأي حال من الأحوال حقيقة واجبة التصديق. وطبعًا مقالتي هذه أتتكم من نفس الباب، والتي آمل أنّها كانت ضيفًا خفيفًا. 

والسّلام

اظهر المزيد

محمد

مُراجع، وكاتب مقالات أحيانًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق