مقالات

ما الذي يربطنا بين الحلم والواقع؟ – Wonder Egg Priority

كتبه وأعدّه: Pnbn
تحرير وتدقيق: Omar El-hosseiny

تنبيه :-
يحتوي هذا المقال على بعض الأمور التي قد يراها البعض حساسة كالانتحار، والتنمر، والقتل والشذوذ الجنسي. كما أنه سيحتوي على حرق لأحداث الحلقة الأولى التي يُنصح بمتابعتها قبل قراءة المقال لتجربة العمل بابتكاريته لأول مرة دون العلم بتفاصيله!

أوتو آي بطلة الأنمي المصابة بتغاير لون القزحيتين تتساءل عمّا إذا كان لها أي أمنية في الحياة :-

دائمًا ما يأتي كل موسم بعمل أصلي جديد طموح، ومثل باقي الأعمال الأصلية، يُرَسِخ ويرسم العمل فكرة ربما قد تكون صغيرة أو مبسطة، ولكن بتهويل وعرض حديث. فماذا يكون الطموح دون التجديد؟ وبعمل يتقدمه كلا من المخرج الشغوف والطموح “Shin Wakabayshi” بالاشتراك مع كاتب الدراما “Shinji Nojima” الشهير جدًا منذ التسعينات في اليابان بأعماله المثيرة للجدل عن المجتمع الياباني والسياسة -أحيانًا الفلسفية أو ذات الطابع والأفكار الغريبة والعرض المثير- أو أعماله التي تتناول مواضيع عن علاقات شاذة للإطار المجتمعي: كالشذوذ الجنسي وعلاقة طالب/ـة بمدرس. وها هو شينجي يقدم عمله الأول في صناعة الأنمي ليستطيع إخراج كل ما لديه من أفكار- كلاهما اجتمعا تحت راية استوديو CloverWorks المملوك لشركة سوني، والذي هدفه الأول إنتاج أعمال أصلية ومساعدة المخرجين الجدد والطموحين في إنتاج أعمال أصلية أكثر في بيئة مناسبة. بعيدًا عن كل تلك المقدمات، سيبدأ الحديث عن موضوع اليوم الأهم، وهو عن أنمي “أولوية بيضة العجائب” وعن الكيفية التي اُستخدمت فيها الورود والألوان ومُخطَّط القصة “Storyboards” لنقل مشاعر بطلتنا وتجريدها بصورة أخرى وبعرضٍ مميز متقن.

وكل هذا لنقل رؤية عمل تجريبي قوي عن الحياة: الحصر النفسي، والحب، واكتشاف الذات، والتنمر؛ وأمور أخرى يمكن أن تتكشف في قادم الحلقات. ولهذا، سيكون المقال طويلًا بعض الشيء.

VIBING ( اختيار ملائم وقوي خلال المشهد كله للتنقل ما بين جانب ورؤية آي والفتاة الأخرى والحاجز الذي يفصلهما والذي هو خوف آي من تكوين أي صداقات جديدة) :-

يمكن أن يكون الحديث عن مُخطَّط القصة (Storyboard) صعبًا في إطار مقالٍ اهتمامه منصب على التصويرات في الحلقة ومعانيها، ولكن يسهل أيضًا ملاحظة مدى قوة المخطط واختياراته من الزوايا، لعرض مشاهد (كالصورة بالأعلى)، مع مزيج قوي من استغلال لغة الورود أو السيريالية خلال بث الروح بانتقال شخصياتنا من الواقع لعالم الأحلام مع اختيار دقيق جدًا قريب لرؤية العبقري “Satoshi Kon” واستغلاله للمساحات الواسعة أو العالم المبني لكي يظهر كعالم حقيقي واقعي ممتزج بالخيال الخاص به المسمى بـ”الواقعية السحرية” والذي نجح واكاباياشي في نقلها وغمس حبه للإضاءة والعالم فيها أكثر باستغلاله القوي جدًا لعدسة تصوير أكبر ومجال أكبر كي يضمن أنه ينقل الإحساسين ما بين شعور البطلة بالراحة -أحيانًا وسيُفسر هذا فيما بعد- في لحظات الاقتراب التي كانت أكثرها في المنزل، أو الاضطراب والقلق والخوف بعدسات أبعد ظهرت حتى في أول مشهد لمّا سمعت صوت صديقتين في الشارع يتكلمان بشكل طبيعي مما جعلها تشعر بنوع من عدم الارتياح.

الزنبق الأبيض :-

الزنبق الأبيض هو نبتة ذات معاني كثيرة. والأكيد أنها ليست أول مرة تظهر في الأنمي؛ فهي تقريبًا موجودة في أي أنمي يحتوى على يوري، بل حتى موجودة في أعمال أخرى كثيرة لأنها نبتة في الأصل يضعها أهل المُتوفى وأحبائه في تابوته أو على قبره لأنها تعكس وترمز للعفة والطهارة والنقاء، أو كما يصفها البعض بأنها تمثل البراءة والعفة في الموت، وهذا المعنى مرتبط ارتباط وثيق بلغة الحب أيضًا، ولا سيما حب الفتيات -أجل لبعضهم- بالأخص في صناعة الأنمي. وأصبح الزنبق خير معبر عن حب الفتيات، وأعتقد أنه ما زال في ذاكرة الكثيرين. كل هذه التشكيلات من زهور الزنبق الأبيض في أعمال مختلفة كـ”Bloom into you” أو “Yuri Kuma Arashi” -أحد أعمال إيكوهارا الذي استلهم منه المخرج الكثير من أسلوبه وتوجهه- بالإضافة إلى”Liz and the blue bird” والذي تحديدًا اُستلهم منه استعمال لغة الورود لوصف مشاعر بطلتنا ونقل إحساس مختلف، بدلًا من الكلمات المنطوقة في السرد البصري، والذي دائمًا ما يكون أكثر تعبيرًا وصدقًا!

على أي حال، قوة الاستخدام هنا أتت من اختيارين:
الأول: هو وجود الزهرة داخل الفصل، وكان هو المكان حيث التقت بطلتيْنا، وربما هو بمثابة المكان الذي بدأ حبهما -العفيف- فيه وتعرّفا على بعضهما.
والثاني: عند الباب الذي نقل آي إلى سطح مدرستها، وهو المكان الذي يختاره نسبة كبيرة من الطلاب ليكون بقعة للانتحار، خاصةً المُتنمَر عليهم في المدارس.

زهور الزنبق الأبيض والأقحوان الأبيض، إضافةً إلى زهور أخرى مستخدمة لرثاء الميت:-

الأقحوان وردة عجيبة ترمز لمعاني عدة: كالحب، والسعادة، والفرح. ولها معنًى آخر وهو الشعور بالشفقة، لكن بكل تأكيد، الأقحوان وقت العزاء لا يحمل دلالةً للشفقة. والذي يميز استخدام واكاباياشي هو استخدامه للأقحوان الأبيض والأصفر تحديدًا، ولكلٍ منهما معناه الفريد والمستقل.

فالأقحوان الأصفر يعبر عن شيئين مميزتين متلازمين: الأول هو الشعور بالحزن والأسى، وتحديدًا يعبر عن الحب المهمل، والذي لا يُشترط أن يكون حبًا من طرفٍ واحد؛ لأنه يُتبادل بين المتحابين في أوروبا أحيانًا بمثابة تأنيب أو يعبر عن إهمال أحد الطرفين. وهنا، تكمن النقطة المحورية لبطلتنا. آي كانت تتعرض إلى تنمرٍ قاسٍ من طلاب فصلها لا سيما الفتيات منهم. وهنا يأتي دور آخر للزنبق. آي نفسها كانت تُوصف بالـ”قبيحة” وبضع أوصاف أخرى على خزانتها، وكل هذا كان من الفتيات مما يعني أنه كان نوعًا من الغيرة والكراهية موجه ضد آي في الغالب بسبب أعين القطط خاصتها التي جذبت أنظار الفتيان في المدرسة. وأدى ذلك لموجةٍ من الكره والتنمر من قبل الفتيات الأقل شعبيةً وسط الفتيان. فالمحور هنا كان خوف آي نفسها من باقي الفتيات، والذي جعلها تتجنب كويتو هي الأخرى، مما ترتب عليه الشعور بالرفض، والخوف والارتياب من الدخول في علاقة صداقة جديدة. ومع أن محاولات كويتو لمصادقة آي كانت عديدة – مردّها أنها مرت بظروف مشابهة على الأرجح- إلّا أنها باءت جميعها بالفشل، وانتهت بأسوأ نتيجة ممكنة وهي انتحار كويتو بعد ما تحول الكره والتنمرعلي آي إليها؛ لأنها حاولت مساندتها ودعمها وتوفير مكان أكثر ملائمة في المدرسة لآي. فالأقحوان الأصفر كان دلالة على شعور آي بالمَثْلَبة المشوبة بالحزن.. ذلك الشعور أجج علتها الاجتماعية ونمّاها؛ ذلك الشعور تسبب فيه تجاهلها لصديقتها ومشاعرها، والذي وصفته هي بالخيانة.

أما الأقحوان الأبيض فهو دلالة على الوفاء ومشاعر الحب الخالصة القوية. ويمكن القول أنه كان رثاء وعزاء آي الذي تجلى في إدراكها لعاقبة وسوء اختياراتها؛ حيث أنها تعرفت على كويتو واتخذتها صديقة لها، ثم خانتها وغضت الطرف عما تلقته من تنمر.

زنبق الكالا بغرفة آي التي اتخذتها ملاذًا تعتزل الناس فيها:

أبسط وأجمل معبرٍ عن الحب برأيي هي الورود، وإن أراد أحدهم اختيار وردة ليعبر بها عن حبه، فلن يجد أنقى من الزنبق الأبيض، وخاصةً زنبق الكالا.

زنبق الكالا مشهورة في الأساطير اليونانية وفي الغرب، في حين أن بقية العالم يجهل أن لها نصيب كبير من الشهرة في الأساطير اليابانية أيضًا، وظهرت فيها في أكثر من مناسبة. وكلًا من أسطورتي الزهرة تحمل معنًى مختلف عن الأخرى. وسأتطرق لكلا المعنيين، إلّا أني أرجح أن المعنى المقصود هو هذا الذي من الأساطير اليابانية.

زهرة الكالا في أساطير اليونان تمثل الغيرة والشهوة، وفي العموم تعبر الزهرة عن البراءة والعذرية أو النقاء. بيْد أنها في الأسطاير اليابانية لها معنًى مختلف تمامًا؛ فمعناها الأول: “جميلة كالحلم” و “بهاء العذراء”، كلا الجملتين تحملان في طياتهما قوة تتجلى في التفاعل بين آي وكويتو، وقوتهما تظهر في كلام كويتو الأول عن مدى جمال تغاير لون عينيْ آي النادر وجوده في البشر، والذي جعلها تشعر أنها في حلمٍ أكثر منه واقعًا. أمّا الثانية، فتعبر عن رؤية آي لكويتو؛ إذ أنها ترى فيها جمالًا في ملامحها الرقيقة، وبهائها وطلاوتها. ويمكن لنا القول أن هذا المعنى نفسه هو نظرة الشخصيتين لبعضهما الذي يشوبه نوعٌ من مفهوم آي أو أمنيتها التي أخبرتها لها الحشرة؛ رغبتها الشديدة بصديق.

زهرة الشمس على رداء البطلة :-

هنا يظهر أكبر تناقض للعمل في شخصية البطلة وزيها المطرز برسمة -والذي سنتتحدث عنه مرة أخرى بعد إنهاء فقرة لغة الورود- زهرة الشمس؛ الرابط الوحيد المشترك بينهما هو أنهما لا يستيقظان ولا يتحركان البتة دون وجود الشمس ليتتبعانها، وهذا كان اختيار موفق ومذهل من الفريق.

زهرة الشمس واحدة من الزهور الجميلة التي أزرعها وأرعاها في مزرعتنا مع باقة أخرى من الورود وبضع شجرات، ولطالما كنت معجبًا بها وبحبوبها وإنتاجها وحتى لونها ولمعانها وتألقها تحت الشمس وأظل أراقب تتبعها للشمس وميلانها بعد الغروب مراقبة المحبوب الذي فارقه شقه الآخر، أو اغتمّ بسبب فاجعة. فكانت دائمًا وردة ساحرة؛ حيث أن لها معانٍ عديدة مثل: النور، والسعادة، والأمل، والتفائل، والقوة، والصحة.

الحيرة من زي آي تتجلى في طبيعة شخصيتها الخجولة بعض الشيء والكئيبة جدًا -كما أظهر العمل في أول حلقاته- ذات العلة الاجتماعية والخوف من البشر التي جعلت منها على عكس زهرة الشمس، تتجول ليلًا في أرجاء المدينة وتعود لمنزلها قرب الفجر لتدخل حصنها التي أحاطت به سريرها لكي يحميها من ضوء النهار وجمال العالم الذي أصبح لها عذابًا بدلًا من محرك كزهرة الشمس؛ صار لها لعنة، ولكن مثل هذا الاختيار بالتأكيد يحمل في طياته معنى، فلو لاحظنا شيئًا مهمًا وهو أن آي ترتدي هذا الزي في كل لحظة ومشهد من الحلقة الأولى إلا في مكان واحد وهو معزلها الآمن؛ منزلها؛ وفي بعض المشاهد من ذكرياتها بالمدرسة قبل أن تنقطع عن الحضور وتصبح أكثر انطوائيةً وخوفًا من التعامل مع الغير. هذا المعنى يمكننا القول أن له تجريدين، الأول: هو أن كويتو كانت شمس آي التي حاولت تتبعها بحذر، ولكي تحافظ على وجودها وكيانها بعد انعزالها، كان يجب أن تحتضن الشمس الغاربة بزيها الحالي؛ والثاني: يعود لتلك المدة التي تعرضت آي فيها للتنمر بقوة إلى أن أصبحت هي وشمسها مغطيْن بالجروح والدماء.. استغله المخرج أحسن استغلال حين جعل الكاميرا في هذا المشهد تقترب من جرحها؛ تغطية يدها بالدم شعور بالذنب لخيانة صديقتها، ودم انتحارها بالإضافة إلى دم “آي” تعبيرٌعن ضعفها إبان الظروف المختلفة التي واجهتها.

ويمكن القول أنها الطريقة التي كانت كويتو، وبالأخص والدة آي، ينظران بها إلى شخصية “آي”، وهي أنها بمثابة نور قويٍ مشع لهم وسط المجتمع المتخبط. وحتى مع استمرار معاناة آي من التنمر خلال مراحل نموها، من فتاة صغيرة إلى شخص ناضج، ظلت قوية وحية، والذي يعزز أكثر منظوري لهذه النقطة ضعف كويتو وانتحارها؛ إذ أن كويتو رأت في “آي” نموذجًا أقوى وشخص تتمنى أن تكون بنفس قوته، وزهرة الشمس دليل على هذا. بالإضافة إلى أن آي في الحقيقة تظهر لي بصورة الشخصية المرحة المشرقة أكثر التي تحاول ارتداء قناعٍ لحماية نفسها أو الغير في بعض الأحيان، ومن الممكن أن يُعرض المزيد من مثيلتها من الأفكار في قادم الحلقات، أفكار تتناول الشخصيات من هذا المنظور؛ فمن المتعارف عليه أن ترتدي الشخصيات ملابسًا تناسب طبيعة شخصياتهم.. لن يُرى أبدًا شخصٌ سعيد ولطيف محبٌ للألوان الداكنة السوداوية والرسمات الدموية، ولن يُرى كئيبٌ مرتديًا لقميصٍ ورديٍ أو زاهي الألوان. فهذه نقطة مهمة جدًا لتبيان شخصية آي.

الأونوثيرا الوردي :-

الأونوثيرا نبات مشهور شاع في الأمريكتين وشمال آسيا، تحديدًا الصين واليابان فقط، ولم يوجد في دولنا بالشرق الأوسط أو أوروبا إلا بعد وقت طويل، وزراعته في أوروبا.. إلى آخر الأمر للإيجاز لأنه لا يخصنا.

ظهر نبات الأوثيرا خلال الحلقة عند قدم صديقة بطلتنا المنتحرة، وأول شيء يلاحظ في الصورة بجانب اصطفاف وتميز لون الورد هو رسم القدم الواقعي جدًا لنقل رؤية المؤلف تجاه ذلك الانتحار بمستوى إضائة قوي وانعكاس مناسب وسط الألوان البهية المتراصة حول القدم التي غطتها التراب. معنى النبتة نفسه مختلف من ثقافة لأخرى، لكن سنركز على المعنى الياباني -اللون الوردي منتشر في اليابان خاصة ويعبر عن الجمال- والذي معناه الجمال، والشغف، والجذل. في اليابان قديمًا بسبب مدى قوة هذه الوردة وجمال لونها، بالإضافة إلى بساطتها، كان يقدمها الرجال فوق باقة من الورود وكأنها تاج، وأحيانًا يقدمونها زينةً فوق الأذن والشعر، وتعتبر بمثابة اعتراف من الذكر للأنثى بجمالها الأخاذ وأنوثتها ونضارتها كالوردة وحبه لها وجمالها. ولكن المعنى لا يقف ولا ينتهي هنا، فهذه الوردة تعبر عن معنى أكثر يأسًا.. أشبه بوقوع قلب مقدِمها في شباك حب المرأة المقدَم لها الوردة، فأصبح عند اليابانيين مع الوقت معناه “لا يمكنني العيش بدونك” ومعاني أشبه بـ “الحياة لا تحمل معنى دون وجودك” وما شابهها.

ومن هنا تظهر لنا النقطة الأهم ألا وهي مشاعر كويتو التي كانت قوية تجاه صديقتها آي التي عبرتُ عنها بكلامي عن زهرة الشمس وكيف كانت كويتو متعلقة بآي بصفتها شخص قوي، وجميل، وصادق.. ببساطة شخص تمنت لو كانت تعرفه من بداية حياتها وتعيش معه للأبد. وعندما همت بالتقرب لصديقتها التي ظلت تتطلع لها وتتمنى البقاء بقربها، خانتها. كان هذا المحرك الأكبر والأثقل في ذلك الوقت مع حضور التنمر الذي تزايد عليها، فانتحرت. أما الصورة والورود فهي رسالة المؤلف في شرح ما حدث بينهما، وكيف كانت علاقتهما؛ وهي أن كويتو لم تستطع العيش بدون الشمس الحقيقية، شمسها وهي “آي”، مع مفاهيم ومعاني أقوى وأكثر صدقًا استطاع أن يوصلها من الرسم الواقعي جدًا للجثة بالأخص.

وستارية زغابية عند مدخل العالم العجيب الذي سيحقق امنية آي:-

في الحقيقة، كانت هذه أقسى إشارة أنهى المخرج بها وهي الوستارية؛ لأنها تشير إلى قصة مأساوية في اليابان وهي قصة “امرأة الوستارية”. تحكي القصة أن امرأةً تعمل رسامةً أحبت رجلًا رأته مارًا في الطريق حبًا جمًا جعلها توقف نشاطاتها، فبدأت ترسل للرجل رسائلًا في حبها له، ولكن دون أي رد منه أو إجابة، لكنها استمرت في إرسال رسائلها وأتبعتها برقصها وانتظاره كل يوم. وبعد أن كانت فنانة ورسامة، تركت الرسم لتلفت نظره. يمضي وقت طويل دون أن يرد الرجل على حبها أو مشاعرها، ويظل حبها هو حب من طرف واحد تتعلق به دون أن تصل لحبيبها. في النهاية، تعود للرسم على مضض ولكن دون ضعف أو تغير في مشاعرها تجاه من أحبت. والمغذى الذي يستخلصه اليابانيين من هذه المسرحية أو الأسطورة هو أن الوستارية تعبر عن قوة التحمل للألم والبغض، وتحمل في طياتها جمال الخلود والصمود؛ قدرة النفسية على التحمل والتكيف. ولمّا أكنّت بطلة القصة كل ذلك الحب، بهذا صارت معبرةً عن الحب القوي أحادي الجانب الذي يصمد أمام الظروف والمحن دون أن يتغير أو يخبو. وكما ذكرت، الأونوثيرا هي مشاعر كويتو، وبالتالي يمكنني القول وبكل ثقة أن الوستارية هي مشاعر البطلة ورغبتها القوية في إحياء صديقتها وبأي ثمن، حتى لو كان ذلك الثمن هو إصابات مميتة أو احتمالية مقتلها ما دام هناك بارقة أمل.

وطبعًا الحقيقة القاسية التي عرضتها هذه الورود وأوصلها مخرج العمل هي أن بطلتنا لن تقدر على تحقيق هذا أو هو حلم مستحيل رُغم قوة مشاعرها ومواجهتها لخطر قاتل. فهل تكسر الحورية بيضة القدر؟

الضُّرْمُ المكور فالجهة المقابلة للواقع :-

آخر شيء في لغة الورود هي الضرم المكور. الضرم المكور هو نوع من الزهور موجود في دول البحر المتوسط وإفريقيا فقط ، وتسمى أيضًا بضرم الفراشات أو ضرم إسبانيا. وهي وردة معروفٌ عنها رمزيتها للمغفرة والنبل والكياسة، ولها مواصفات ملكية؛ حيث أنها في البداية كانت تُقدم كنوع من التعبير عن الحب بين النبلاء لأنهم ظنوا أن انفتاحة الوردة التي بالأعلى تشبه التاج، أو تعبيرًا مشابه لـ “ملكي، ملكتي”، وبعدها اكتسبت معاني الشاكرا السبع من الحكمة للفطنة والقيادة والجمال والرقي، فضلًا عن التعبير عن الملكية.

يمكننا القول أن معناها كان بالفعل واضح من أسلوب الشخصين الفريدين من نوعهما اللذان ظهرها مع دخول “آي” للمكان الغريب الذي نقلها لعالم آخر، ويدل هذا أنهما وببساطة سيّدا المكان واللعبة اللتي زُج بـ آي فيها في محاولةٍ لإنقاذ صديقتها وإعادتها إلى الحياة.

“This I want to believe implicitly: Man was born for love and revolution.”
― Osamu Dazai, The sitting sun

في النهاية، أود تفسير بعض الأمور البسيطة كـ التلاعب اللغوي واستلهامات المخرج والكاتب على عجالة.

المخرج واكاباياشي ليس اسمًا غريبًا على السامعين رغم صغر سنة -نسبيًا، ومشاركاته محركًا للرسوم هو ما عرف به أكثر؛ إذ أن هذا العمل هو أول عمل إخراجي تلفزيوني كامل له ، بل أول عمل بتقلد فيه منصب المخرج الرئيسي. وهو مخرج صغير طموح، وكان من المخرجين الذين أثروا عليه وعلى أسلوبه هما المخرج والمؤلف إيكوهارا مخرج أعمال منها “Utena” -واحد من أكبر استلهامات “أولوية بيضة العجائب”- ومخرجة استيديو كيوتو انيميشن الأشهر ناوكو يامادا مخرجة “K-On” و”Liz and the blue bird”. والمخرج واكاباياشي بنفسه أعلن مسبقًا عن حبه لناوكو، وفي مقابلة خاصة معي ستُنشر بعد أنمي “أولوية بيضة العجائب”، حدثني عن أفكاره ومدى إعجابه بإيكوهارا واستغلاله لأسلوبه، لكنه ما زال قريبًا من فكر واكاباياشي نفسه؛ استطاع أن يمزج بين الأسلوبين، ورغم ذلك، ظل أسلوبه هو المسيطر والظاهر وطوع الآخر لخدمة خاصته وجعله ملكًا له، وهذا ما كان جليًا في أول حلقة من “Wonder Egg Priority”؛ فهي رسالة حب بنبرة حادة بها نوع من التحدي لكل الصناع والمخرجين في الصناعة يرفع فيها واكاباياشي المنافسة لأفق جديد في العرض والتقديم سواء للجوانب النفسية والرعب، أو حتى الدرامية عن العلاقات الشخصية والقصص الدنيوية المحضة أو الممتزجة بالخيال.

التأثر بإيكوهارا في الأصل كان من “البيضة”. ثمة جملة قِيلت في أنمي أوتينا لإيكوهارا ما زال صداها يتردد في ذاكرتي، ومع عدد مرات مشاهدتي للعمل التي تخطت الخمس مرات، أصبح حتى من الصعب نسيانها مهما حاولت: “إن لم يستطع الفرخ كسر قشرة البيضة، سيموت دون أن يُولد. نحن الفراخ والعالم هو البيضة، فإن لم نكسر قشرة هذه البيضة سنموت دون أن نولد. اكسر البيضة! لنغير العالم!” (ترجمة فقيرة للنص اعتمادًا عى الذاكرة). دائمًا ما يكون النوع الذي ينتهجه إيكوهارا في السرد له تجريدية للأمور.. رمزية “البيضة”، وذكرها قبل تعريفها بكونها الأرض بفترة طويلة. في الجملة المذكورة آنفًا، عبر عن ذلك باستغلاله للمساحات الضيقة والظلال وأمور متنوعة لها عامل جذب. كدأب إيكوهارا، أنمي “أولوية بيضة العجائب” يحاول توصيل فكرة أن العدو هو النظام والمجتمع، سواء نظام مبني على الأفراد أو غيره. الذي يوضع تحت مظلة نظام هو العالم والحياة الذي ينصاع إليها الفرد. لأجل أن تولد، يجب أن تثور لتُحدث التغيير بيديك. فالبيضة في الحقيقة، زِد عى أنها النظام الفعلي وما خارجها هو الإنسان الذي يسعى للتغيير بالقشرة التي تمثل مخاوف البشر ومشاكلهم النفسية، والحائل الأكبر هو المجتمع وأفراده أو نفوذ الفرد ومدى قوته ليحدث تغيير. والاستلهام الثاني كان في طريقة تقديم الحل، وهي شراء عدد كافٍ من البيض لإنقاذ عدد معين من البشر، والذي بدوره سيحقق الهدف المنشود، وهذا نفس منظور إيكوهارا في “Sarazanmai” و “Penguindrum“؛ فالاثنين فيهما مفهوم الجمع بكمية معينة.. فمن ناحية، نجد في سارازنماي جمع الـ”شيكوداما”، ومن أخرى نرى في طبلة البطريق جمع الـ”الاطباق الذهبية” شريطة التغلب على الأعداء الذين يمرون بنوع من العلل الاجتماعية أو المشاكل النفسية كسبب أساسي لوجودهم. وجود الوستارية في نهاية الحل باعتقادي سيكون مشابه لإيكوهارا أيضًا؛ وهو أن لا مكان للمعجزات، وإنما منوط بالانسان التغيير.. تغيير النظام وتكوين علاقات جديدة وإيجاد الذات وإيجاد الحب الحقيقي والاستقرار.

أما استلهامه من ناوكو فكان في كل مكان، ومن الصعب تحديد نقطة معينة من لغة الورود للكاميرا والاعتماد على حركة الشخصيات. والرسم والتحريك يركز على حركة الشخصيات في أفعالهم اليومية وتفاصيلها (Character acting) وطبعًا بالإضافة للألوان وأمور أخرى مختلفة تبعث على جو مشابه لأعمال Kyoto Animation لا سيما أعمال ناوكو.

ننتقل لاختيارات المخرج المميزة-

ما بتعيطش ليه؟

المخرج كان له اختيارين مميزين جدًا: الزيّ واسم البطلة. وسنتطرق لكلٍ منهما على حدة.

اُختير الزي مشابهًا لمعطف المطر، وكان لذلك أهميتين.. الأولى: ركز العمل على البيض والشخص المحبوس بداخله، ولا يخفى على أحد ما يحتويه البيض، والثانية: قلنسوة المعطف التي هي بمثابة وقاية لآي وحامية من سيل الكلام والتنمر الأشبه بالشآبيب (السيل المنهمر من المطر)، وكان هذا خير تبيانٍ لحالتها التي أبرزها المخرج في أسلوب حياتها اليومية وحركاتها الجامدة الصلبة بعض الشيء -وكأنها شخص يتعلم المشي بعد إصابة بليغة، خضع إثرها لعملية جراحية بساقه أو ظهره- التي تغيرت مع قرب انتهاء الحلقة لمّا وجدت البطلة “آي” هدفًا حقيقيًا تسعى إليه واستجمعت منه عزيمتها واتخذت قرارها الأخير بأنها لن تغض الطرف ولن تهرب مجددًا.

أما الاسم فهو تلاعب لفظي لحالة عينيها؛ فاسم بطلتنا “Ooto Ai” وباليابانية (大戸アイ).. وكما تسير اللغة اليابانية، فالاسم له أكثر من نطق في الكانجي الواحد والنطق الآخر هو Oodo Ai أي “Odd-Eye” بالنطق الصحيح، وهو الاسم المتعارف عليه لحالة بطلتنا “تغاير لون القزحيتين”، وكان هذا سبب تسمية بطلتنا بذلك الاسم الغريب.

آخر شيء وهو اسم العمل نفسه “Wonder Egg” والذي هو تلاعب لغوي في كتابة اليابانيين لـ”Wonder” وكتابتهم لكلمة مكسور أو كسرت 「割った」وتنطق “واتَّا” والعجائب تنطق “واندا” وهما متقاربتان في النطق.. فالاسم الأساسي هو “Broken Egg”.

النهاية.

بعض المراجع :-
Florgeous
وكتاب A Victorian Flower Dictionary by Vanessa Diffenbaugh

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق